محمد بن الطيب الباقلاني
275
الإنتصار للقرآن
أبيّ مداومة الرسول صلى اللّه عليه على ذلك وافتتاح عليّ وعمر به جاز أن يظنّ أنّ ذلك [ كان ] « 1 » قرآنا منزلا فيلحقه بالمصحف . فإن قالوا على هذا الجواب : فأبيّ على قولكم لم يكن يعرف وزن القرآن من غيره ! قيل لهم : معاذ اللّه ! بل كان من أعرف الناس بذلك ، ولكنه ظنّ أنّ دعاء القنوت وإن قصر عن رتبة باقي السور في الجزالة والبلاغة فإنّه يجوز أن يكون قرآنا ، وأنّه يتعذّر أن يؤتى بمثله وإن كان غيره أبلغ منه من القرآن ، كما قد قال الناس : إنّ من القرآن ما هو أوجز وأفصح وأبدع مما سواه عنه ، وإن كان معجزا كلّه ، قوله تعالى : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا [ يوسف : 80 ] وقوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [ هود : 44 ] ، وقوله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] ، فهذا أوجز وأفصح من مثل قدره من غيره ولو كان معجزا كلّه إذا بلغ قدر سورة أو آية في طول السورة . وقد زعم قوم أنّه لا يمتنع أن يكون دعاء القنوت كان قرآنا فنسخ أو أزيل فرض كتابته وتلاوته مع القرآن لما فيه من فصاحة النظم وجزالته ومناسبته ومقاربته لنظم القرآن ، وإن كان هذا هكذا فإثبات أبيّ له كإثبات قوم غيره لأشياء نسخت بعد أن أنزلت ، وإنّما لم يجب أن يسيغ نقل دعاء القنوت ما يظهر على هذا الجواب كظهور نقل غيره مما يثبت ، / لأجل أنّه [ 163 ] لما نسخ انصرفت الهمم والدواعي عن نقله وإحاطته إلا في موضع الدعاء به فقط ، كما انصرفت هممهم عن نقل كثير مما نسخ رسمه وتلاوته ، ففي هذا نظر ! أعني قولهم إنّه معجز ، لأنّ نظمه مباين لنظم القرآن وغير خارج عن
--> ( 1 ) زيادة اقتضاها السياق .